Arabic Translation

حلمٌ على نار

FieryTypewriterCentered

حدثت المعجزة في مساء 21 أكتوبر من عام 1976، في شقة صغيرة في بوينوس أيرس أفنيدا كورينتس بناء 314. في تمام الساعة الحادية عشرة، توقف فجأة صوت الآلة الكاتبة الخاصة بالصحفي راؤول هيليودورو، و لمعت العبارة السحرية ذات الاثنتا عشرة كلمة و سبع عشر مقطعاً  صوتيا، لمعت من خلال الاثنان و العشرون سطراً المكتوبين على نصف الصفحة المليء. العبارة كانت رائعة إلى درجة أنها سطعت كحلمٍ على نار، و بعد كتابتها هوت يدا راؤول عن أحرف الكتابة كامرأةٍ قد وَلدت للتو مُخلصا للعالم.

كانت عبارة عميقة و قوية لدرجة أنها بدون شك في حال قِيلت بصوت عالٍ للملأ لكان بإمكانها أن تهدئ أمر الصراعات، و أن تغري أجمل النساء، و ترد أعداء الحرية الأشد فتكاً. أخذ الصفحة من على الآلة الكاتبة و بمقص صغير قص العبارة بحذر. قضى الليل و هو يقراؤها و يعيد قِرأتِها حتى استسلم للنوم ضاماً الورقة إلى صدره. أخذها في صباح اليوم التالي ليُغلّفها، ومنذ ذلك الحين احتفظ بها في جيبه أينما ذهب. أحيانا كان يجلس بقرب النافورة الهادئة في حديقة النباتات و يُخرِجها ليُحدق فيها كأنها ابنته أو جسد امرأةٍ مستلمٍ.

أمضى لياليه متخيلا الكتاب الذي كان سيُؤلّفه حول هذه العبارة المنمقة. أي رواية تحمل هذا التسلسل الفريد و العظيم للكلمات يمكنها أن تكون رواية عالمية. أدرك أن العبارة، عبارته هو، كانت لتتردد في جميع الصفوب المليئة بالطلاب المُجدّين على امتداد كل أمم العالم المتحضر.

أصبح راؤول الآن خبيرا في عالم الكتابة، صار يعلم معنى أن تكتب عملاً أدبياً و أن تُقلع عن آخر. هذه المرة أراد ان يتأكد بأن القصة مكتملةٌ في ذهنه قبل الشروع بالكتابة. في كل يوم بعد أن يُحرر تقريره عن فظاعات الدكتاتورية التي كان يعيش فيها، كان يجلس على مقاعد الحدائق و العبارة في يده، متخيلا الحوارات، و الشخصيات، و الاستعارات الأدبية.

في فبراير من العام التالي، أُفسِد على راؤول بأنه شيوعيٌ من شخصٍ بالكاد كان يعرفه. كان الواشي قد سرّب بعض الأسماء عندما تعرض للضرب بالعصا من قبل الشرطة السرية، و اختفى راؤول في جنح الظلام مختطفاً من قِبل جواسيسٍ يرتدون الزيّ الأسود بعد أن سحبوه عارياً من سريره.

لكن المقاطع الصوتية السبع عشر كانت ما تزال تشتغل في رأسه كبرميل بنزين و هو يكمل صياغة الكتاب. كلما لووا أصابعه حتى تتكسر و تتدمى، كانت حبكة الرواية تكتمل. كلما ضربوه بالعصا على وجههِ و رقبتهِ ليعترف بأسماء متآمرين وهميين، كانت شخصيات الرواية تتجسد بماضيها و فرادتِها.  كلما رشقوا وجهه بماء مغليّ و هو مقيد إلى كرسيه، كانت تفاصيل قصة الحب تتجلى بوضوح في ذهنه. كلما قطعوا أجزاءً من أذنيه و رموها للكلاب، كان يتصور و يدقق ذروة الرواية التي سيكتبها يوما ما.

القصة تبدلت و تتطورت، مئات الصفحات تدور بفلك العبارة الجوهرية الساطعة. ثم في يوم، و بنفس الطريقة العشوائية الاعتباطية التي تم فيها خطفه، و بعد عام و نصف في السجن بدون محاكمة، قرروا إطلاق سراحه. في ذلك اليوم و هو خارج من السجن ابتسم بنشوة تفوق نشوة الحرية. كان الكتاب مكتملاً في رأسه.

عاد إلى المنزل و جلس أمام آلته الكاتبة، و بيديه المُضمدتين المُرتعشتين وضع فيها ورقةً بيضاء جديدة. عندما اقتربت أصابعه المكسرة من أحرف الكتابة المُنتظِرة، أدرك فجأة بأنه قد نسي العبارة.

نبش شقته باحثا عن قطعة الورقة و لكنه لم يجدها. كان قد ترك العبارة المُجلّدة على طاولة مكتبه في ليلة اختطافه. و الرياح الأرجنتينية الأميّة الجاهلة عصفت بها خارج النافذة. تضايق. انفجر غضبا و بكا و لكم الجدران. استلقى على سريرهِ و استعرض القصةَ مجددا في مخيلته. كل الحوارات و الفقرات التي تصِف المكان و الزمان و كل المسارات المتشابكة للقصة. و لكن العبارة بطريقة ما اختفت. مضى راؤول في تأليف الكتاب بالرغم من كل شيء. استغرق ذلك ثلاثة سنوات و لم يحاول أبدا نشره.

في مساء ماطر بعد عدة سنوات. مات راؤول بسبب تحطم رقبته بعد سقوطه من نافذة شقته في الطابق الخامس. أعلن المحققون بأن الوفاة كانت انتحارا. وُجِدت مسودة الكتاب ذات ال 396 صفحة، و التي كستها خربشات قلمه، في علبة أحذية غطتها شباك العنكبوت، و وُضِعت في ركنٍ في خزانة الملابس. و بعد فترة قصيرة دُفنت تحت تلال من المهملات في مكب نفايات المدينة.

طارت قطعة الورق المُجلدة الصغيرة في ظلام الشوارع التي بلّللها المطر في نفس ليلة وصول جثة راؤول إلى المشرحة، و علقت تحت حذاءٍ لمّاع لضابط شرطة وقف ليشغل سيجارته. انحنى الرجل متسائلاً ما يمكن أن تكون. محاولا قراءتها في الظلام، حدّق بها بعينين لم تعتد القراءة كثيرا و قرأ، رفع رأسه متأملاً و فكر للحظة بما يمكن أن تعنيه،
سحقها ببطء في يده و رماها في مجرا تصريف المياه.

Translation by
Dany Al-Chammas

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s